أبي الفرج الأصفهاني

85

الأغاني

حضير يعقر نفسه ليثبت قومه فلما سمع حضير طعن بسنان رمحه فخذه ، ونزل وصاح : واعقراه ! واللَّه لا أريم [ 1 ] حتى أقتل ، فإن شئتم يا معشر الأوس أن تسلموني فافعلوا . فتعطَّفت عليه الأوس ، وقام على رأسه غلامان من بني عبد الأشهل ، / يقال لهما : محمود ولبيد - ابنا خليفة بن ثعلبة - وهما يومئذ معرسان [ 2 ] ذوا يطش ، فجعلا يرتجزان ويقولان : أيّ غلامي ملك ترانا في الحرب إذ دارت بنا رحانا وعدّد الناس لنا مكانا مقتل عمرو بن النعمان فقاتلا حتى قتلا ، وأقبل سهم حتى أصاب عمرو بن النعمان رأس الخزرج فقتله ، لا يدرى من رمى به ، إلَّا أنّ بني قريظة تزعم أنه سهم رجل يقال له أبو لبابة ، فقتله . فبينا عبد اللَّه بن أبيّ يتردّد على بغلة له قريبا من بعاث ، يتحسّس أخبار القوم ، إذ طلع عليه بعمرو بن النّعمان ميّتا في عباءة ، يحمله أربعة إلى داره . فلما رآه عبد اللَّه بن أبيّ قال : من هذا ؟ قالوا : عمرو بن النعمان . قال : ذق وبال العقوق . انهزام الخزرج وانهزمت الخزرج ، ووضعت الأوس فيهم السّلاح ، وصاح صائح : يا معشر الأوس ، أسجحوا [ 3 ] ولا تهلكوا إخوتكم فجوارهم خير من جوار الثّعالب . قريظة والنضير تسلبان الخزرج فتناهت الأوس ، وكفّت عن سلبهم بعد إثخان فيهم ، وسلبتهم قريظة والنّضير ، وحملت الأوس حضيرا من الجراح التي به ، وهم يرتجزون حوله ويقولون : كتيبة زيّنها مولاها لا كهلها هدّ ولا فتاها [ 4 ] تحريق الأوس نخل الخزرج ودورهم وجعلت الأوس تحرّق على الخزرج نخلها ودورها ؛ فخرج سعد بن معاذ الأشهليّ حتى وقف على باب بني سلمة ، وأجارهم وأموالهم جزاء لهم بيوم الرّعل [ 5 ] ، وكان للخزرج على الأوس يوم يقال له يوم مغلَّس [ 6 ]

--> [ 1 ] لا أريم : لا أزول ولا أفارق موضعي . [ 2 ] المعرس ، بكسر الميم : السائق الحاذق بالسياق ؛ أي هما مع حذقهما ذوا بطش . [ 3 ] أسجحوا : أحسنوا العفو . [ 4 ] الهد بالكسر : الضعيف كأنه مهدود ، وبالفتح الجواد كأنه يهد ماله ، أي يهضمه . وفي هذه المسألة خلاف بين الأصمعي وابن الأعرابي . هامش أ . [ 5 ] الرعل : موضع قبل وأقم ، وفيه قتلت بنو حارثة سماكا أبا حضير الكتائب ، وأجلوا حضيرا وقومه عن ديارهم . البكري 661 . [ 6 ] ديوان قيس بن الخطيم 119 : « وكان من أيام العرب يوم مغرس ومقبس ، وهما حائطان كانا لدجبية إلى آكام بني عدي بن النجار » . والحائط : البستان .